تسويق العشوائية

تقرأ هذه التدوينة وحولك قطع ملابس متناثرة ومكتب ممتلئ بالكتب والأقلام وأدراج محشوة بما تحتاجه ومالا تحتاجه؟
للتو ركبت أو نزلت سيارة ممتلئة بعلب الماء الفارغة والفواتير؟
تنام في وقت مختلف كل يوم وتأكل وجباتك بعشوائية؟
في حقيبة يدك عشرات الفواتير وأقلام ومناديل وأكثر من عطر وخواتم؟
بجانب غرفة الإستقبال في منزلك يوجد دولاب أو مزهرية يحتتون على عشرات القطع المختلفة من مشابك الشعر والمفاتيح والأسلاك؟
وفي الحديث عن الأسلاك، ماذا تفعل الأسلاك والكمبيوترات ولوحة المفاتيح المكسورة تحت المكتب؟
كم علاقة مسمومة في حياتك؟ وكم صورة لاحاجة لها في ذاكرة هاتفك؟ وكم قطعة ملابس لم تلبسها من سنوات؟
تعيش داخل دوامة التأخير المستمر والغرض المنسي؟
تتراكم الأدوات والأواني والأغراض في منزلك بشكل مستمر بدون أن تشعر؟ تمتلئ الثلاجة بأنواع الطعام الذي لايستهلك ويلقى في نهاية الأسبوع في القمامة؟
موظفة ولديك أطفال ويضيع يومك بين المسؤوليات والتنظيف بدون أن تجدي وقت لنفسك؟
ربة منزل وأم ويتكرر سيناريو الموظفة معك؟
موظفة عزباء بمسؤوليات أخف ومع ذلك لاتجدين وقت للركض أو ممارسة الرياضة أو التفكير؟

التقيت بعدد من الأشخاص خلال الأسابيع الماضية وبشكل أو آخر تطرقنا في حديثنا للحياة العشوائية التي نعيشها، الحياة بدون خطط سواء مالية أو غذائية أو عملية أو علمية
نعيش داخل نظام عشوائي ضخم وتمضي السنوات بدون أن نشعر أن الفرص مضت والأهداف ماتت والأطفال كبروا والحياة تسربت من أيدينا بدون ادخار نعتمد عليه أو علم نافع أو أولوليات واضحة

من المسؤول عن الفوضى في حياتنا؟ ومن سوق لها وللعشوائية على أنها أسلوب حياة و “الأذكياء والمتميزين” فقط هم من يعيشون بدون الحد الأدنى من الإهتمام؟
موروثنا الشعبي يحثنا بشكل كبير على هذا النظام العشوائي، الأمثال والجمل المتوارثة من نوع “كلن يجي رزقه معه، يدبرها الله، مايضيع الله أحد” عززت الحياة بدون اطار، يتجلى التوكل في أقصى صوره بهذا الموضوع ويغيب تمامًا في مواضيع أخرى، بالرغم من أن ديننا يحثنا بشكل واضح وصريح على النظام والتخطيط والتفكير والتأمل، ديننا ينبذ الإسراف والأكل فوق الحاجة والعشوائية

هل أفسدتنا الوفرة وتوفر المال الدائم بين أيدينًا؟
سمعت الكثير من القصص من أصحابها عن قروض بسيطة وضخمة يأخذونها ليتمكنوا من السفر أو شراء حقيبة أو زواج، ودائمًا أتساءل عن الدافع وراء الإقبال على أمر أنت غير مستعد له ماديًا وبالتالي لن تكون مستعد لتبعاته نفسيًا!
لماذا أشتري حقيبة قيمتها تفوق قدرتي؟ ولماذا أسافر لمدينة لا أستطيع السفر لها بدون أن أعاني باقي أشهر السنة بسداد ديونها؟
لماذا أراكم الملابس في خزانتي وأنا لم أستخدم بعضها أكثر من مرة أو مرتين؟ من سوق للحياة بهذا الشكل وجعلها النموذج الذي يجب علينا تطبيقه؟
لماذا أسكن في منزل كبير لا أستطيع تنظيفه بنفسي وخادمة واحدة سترهقني نفسيًا وماديًا لسنوات قادمة؟

شخصيًا انتبهت لهذه العشوائية في وقت مبكر، كوني أساسًا أعاني منها منذ طفولتي، تعلمت التخطيط من الصفر، قرأت عشرات الكتب والمقالات، وطبقت عشرات الأفكار كذلك حتى وصلت للأفكار والطرق المريحة لي واكتشفت وفرة من نوع آخر، وفرة في الوقت
للركض والقراءة والتأمل والضحك

خدعونا عندما قيدوا الحياة داخل صندوق ظاهره وباطنه وتفاصيله تحث على حياة  “فلها وربك يحلها” عشوائية واستهلاك ولامبالاة على جميع الأصعدة فأصبحت المنشفة التي تعيق الباب عن الحركة “كوول” والملابس الملقاة على الأرض “فلة” وشراء عدة ألوان من نفس الحذاء “جنون لذيذ” وتعبئة الثلاجة بما يؤكل ومالايؤكل “كرم” والتقيد بخطة “تعقيد” وترتيب الأوليات “جدية سخيفة”
كثير من المفاهيم تغيرت مع السنوات وبدلًا من أن نتقدم خطوة للأمام تراجعنا خطوات بشعارات مملة نرددها بدون أن نعي حقيقتها وأضرارها علينا وعلى الأجيال القادمة

الأفلام والمسلسلات والإعلام يسوق بشكل مستمر للعشوائية وربطها بالتجدد والإنطلاق، وبشكل مستمر أيضًا نسمع قصص نجاحات عن أشخاص عشوائيين كانت العشوائية- كما يدعون- سبب نجاحهم ولا نسمع عن التنظيم والخطط التي كانت بعد فضل الله سبب في نجاحات أعظم نفسية قبل أن تكون عملية

نتخيل أن الضرر لعشوائيتنا “مادي” فقط ونغفل عن الضرر “النفسي” الكبير لها، الضرر النفسي الذي يؤثر على علاقتنا بأهلنا وشركاء حياتنا وأطفالنا واستمتاعنا بأوقاتنا، مثلًا البيت الكبير الذي نقرر شراؤه بدون أن نفكر بتأثيثه وتنظيفه وندخل بعدها في دوامة الخادمة والراتب وانتظام الخادمة أو هروبها، نعيش فعلًا على قلق كأن الريح تمر من تحتنا ولم نفكر ولا مرة واحدة أن الحل أمامنا؟ يحتاج لحظة تفكير وتجلي وتحليل بسيط!

حياتنا تتراكم بعضها فوق بعض، تثقلنا وتقيدنا عن الإنطلاق والإكتشاف والإختلاف، تراكم العشوائية يراكم المشتتات ونضيع نحن بين هذا وذاك.
تحسين حياتنا وحياة أطفالنا واطار الأسرة الذي نعيش فيه مسؤوليتنا، مانبنيه اليوم ونتعب من أجله سنجده في المستقبل القريب جدًا ان شاء الله.
أتمنى أن لا نضعف أمام عشوائيتنا ونحول محاربة الوفرة والرفاهية والفائض لتحدي ممتع ننتصر عليه أخيرًا  ونستمتع ونحن نعيش لأن الحياة فن وتفاصيلها لذة نغفل عنها بغرقنا في حياة المظاهر

4 thoughts on “تسويق العشوائية

  1. مُذهِلة ..
    أكبر مثال على قلة الانتاجية مع العشوائية بل ربما انعدامها , بداية شوال والعشوائية المفرطة بعد رمضان المنظم على جميع الأصعدة الروحية والمادية أيضا

    إعجاب

  2. الخطط = تعقيد، أكثر شيء عقدني ووقفني عن الحياة المنظمه مع عشقي لها وتبنيها دائماً، لكن ترن هذه الجمله في رأسي فأخاف من التعقيد والعقد والمعقده 🙂
    لكن هي فعلاً النجاح والراحه والصحه .
    مقال جميل مشاعل شكراً لكٍ <

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s