أزمة المحتوى العربي

نعرف جميعًا أنه على مر السنين، كان المحتوى ومازال هو المتصدر للمشهدين الإعلامي والتوعوي، المحتوى يحدد  الرسائل التي تصل للشعوب وعليها يُحدد الإطار العام لحياتهم، من اسلوب الإستهلاك وطريقة التفكير والثقافة العامة والمعاملات المالية والتجارية والسياسية وحتى التعاملات الأخلاقية
يُحكم على مستوى ثقافة ووعي الشعوب بمستوى المحتوى الذي تقدمه، وينعكس المحتوى الذي تمرره الحكومات على تصرفات الأفراد بشكل واضح
لذلك مثلا في التاريخ الإسلامي تنوعت المعارف والأفكار والإتجاهات الثقافية، تطورت بناء عليها العلوم والتجارة والأدب والأحوال المادية والسياسية والحريات الشخصية

Screen Shot 2017-06-13 at 11.07.33 AM

في الثورة الرقمية ظهرت لنا ويكبيديا، الموسوعة الأشهر على الإطلاق، يكتب الأفراد مايعرفون سواء عن الدول أو الحدود أو الشخصيات أو التاريخ أو السياسة أو الطعام أو الموسيقى أو الترجمة وغيره من العلوم والمعارف الامنتهية
كم مرة بحثت في ويكبيديا باللغة العربية ولم تظهر له مقالات كافية أو مفصلة؟ وكم مرة بحثت ولم تظهر لك نتيجة؟
يظهر الرسم البياني التالي نسبة المحتوى بناء على اللغة في ويكبيديا من اجمالي المحتوى الموجود حتى جانيوري ٢٠١٧، و ويظهر أننا مصنفين من other يعني أن نسبة المحتوى العربي الموجودة غير مرئية مقارنة باللغات الأخرى


Screen Shot 2017-06-13 at 11.06.28 AM

نحن نتحدث لغة تصنف من أصعب لغات العالم، ولدينا تاريخ عظيم من المعارف والعلوم والتجارب في شتى المجالات، فلماذا لم نتصدر المشهد بعد؟ ولماذا لانملك محتوى نواجه به تدفق المعلومات العشوائي؟ وهل صناعة المحتوى أصلا موجودة لدينا؟ أم أن التجارب الحالية مجرد تجارب هواة مبتدئين قد يملكون المهارة لكنهم لايملكون التمويل والرعاية المناسبة لتنمو مشاريعهم وتكبر خططهم؟
يسيطر المحتوى العشوائي أو كما نطلق عليه “محتوى الواتساب” على الساحة العربية، محتوى هش ورديئ وبدون مصادر وفي معظمه شائعات تشوه الدين والتقاليد والأعراف وتغسل العقول نتيجة التعرض المتكرر والمستمر لها
فهل نعي حقًا حقيقة هذا الأمر؟ هل فعلًا نرى أن المحتوى مشكلة تؤثر بشكل سلبي على الأجيال القادمة وثقافتهم وتفكيرهم و وعيهم بحقوقهم ومهاراتهم وأولياتهم والأهم من هذا كله “دينهم” وعاداتهم؟
هل سنتحول مع الأيام إلى مجتمع سطحي، لايرتبط بتاريخه وتقاليده ولا يعرف عنها إلا مايقدمه له هذا المحتوى الهش؟

بالتأكيد يوجد لدينا العديد من المفكرين والباحثين والمتخصصين في مجالاتهم اللذين يعملون بشكل مستمر على إثراء المحتوى العربي، لكنهم مقارنة بحجم متحدثي العربية الموجودين حول العالم، قليل جدًا ولا توجد جهة احصائية لهم، لكن هذا الأمر ملاحظ من الإحتكاك والتعرض اليومي للمحتوى
هل هؤلاء الباحثين والمتخصصين طوروا طريقة ايصالهم للمعلومات واستخدموا الوسائل الحديثة مثل الفديو والبودكاست والانفوغرافيكس؟
هل ركزنا على تخصصاتنا وساهمنا في نشر مانعرف عنها؟ ماذا عن بحوثنا في سنوات الدراسة الجامعية؟ وماذا عن تجاربنا الشخصية؟ هل فعلًا نحن كمتعلمين نؤدي دورنا الحقيقي في رفع الوعي ونشر المعرفة؟
هل لدينا إعلام متخصص وصحافة متخصصة وكتاب متخصصين؟

ماجعلني أفكر بالموضوع وأكتب عنه، كان نقاش حول إنشاء صحيفة الجزيرة شركة متخصصة في التجارة الإلكترونية
نص الخبر”وخلال الاجتماع، أعلنت “الجزيرة” أنها في طريقها لإنشاء شركة متخصصة في التجارة الإلكترونية والخدمات المساندة برأس مال يبلغ 350 مليون ريال، وذلك بعد استكمال الموافقات الرسمية والنظامية”
المصدر*

قادني هذا الخبر للتساؤل عن سبب اقدام الجزيرة على ضخ أموال في قطاع جديد لايعرفون عنه الكثير وسيحتاجون سنوات للبحث وجمع المعلومات وإنشاء قاعدة بيانات وطاقم عمل جديد وتدريب ومصاريف غير منتهية
ربما أقدمت الجزيرة على هذه الخطوة تغطية لمصاريف الصحيف المطبوعة، حيث نعرف جميعًا تراجع اقبال الناس على الصحف المطبوعة وتوجههم للنسخة الإلكترونية المجانية
لكن هل هذه الخطوة صحيحة؟ وهل هي الحل الوحيد لتعويض الخسائر؟ على افتراض طعبًا صحة قراءتي للمشهد

لماذا لم تفكر الجزيرة مثلًا بتطوير طرق ايصال المحتوى وتوظيف طاقم جديد من الشباب الموهوبين واغراق المحتوى العربي بالعلوم المختلفة وبأدوات مختلفة، مثل البودكاست، القراءات الصوتية، الانفوغرافيكس، الفيدو، الأفلام الوثائيقية و
أو بأبسط الأشكال الإستمثار في شركة تعمل في مجال صناعة المحتوى وتقوم بتطويرها وإنجاحها؟

برأيي أن مشكلة الصحف في العربية السعودية تحديدًا هي مشكلة المحتوى المقيد، بالتالي يظهر لدينا محتوى متكرر بصياغات مختلفة وفي سبيل الوصول للتميز والبحث عن أفضل الطرق لكتابته، تكون النتائج أحيانًا مأساوية
وأضيف إليها مشكلة أخرى وهي “المناطقية” حيث كانت لكل منطقة تقريبًا صحيفة يشتهر أهل هذه المنطقة بقرائتها ومتابعتها، إلى جانب بيع الصحف الأخرى بالطبع، لكن تحديدًا أتحدث عن الشريحة المستهدفة لكل صحيفة، ومع هذا الإنفتاح التقني، اختفت الشعبية المناطقية لهذه الصحف وبالتالي ظهرت مشكلة الشريحة المستهدفة الجديدة التي يجب أن تخرج هذه المؤسسات من دائرة راحتها لإكتشافها
ولم تفكر هذه المؤسسات الإعلامية التقليدية بدمج خبراتها الطويلة في المجال بمواهب الشباب والأستثمار بالدماء الجديدة

لم تفكر هذه المؤسسات بالإستثمار بالصحافة المتخصصة والإستقصائية؟ وتشجيعهما ونشرهما حول العالم العربي والإسلامي؟
وأيضًا، لم تفكر في الإستثمار في الترجمة؟ كثير من المصطلحات الحديثة لانعرف ترجمتها العربية، وأنما هي اجتهادات شخصية تختلف الترجمة من شخص لآخر، لدينا مجمع اللغة العربية لكن دوره للأسف غير مفعل!

وأما بخصوص شركات صناعة المحتوى الناشئة وبحكم عملي مع بعضهم والإطلاع على تجارب البعض الآخر، فيمكنني القول أن هذه الشركات إن لم تتطور وتخصص كتاب متخصيين في مجالاتهم ومجالات المحتوى اللذي يخدمونه سيصدمون في النهاية بمحتوى سطحي يعتمد على ترجمة بعض المعلومات والحصول على المعلومات الأخرى من شبكة الإنترنت بدون دراسة السوق واحتايجاته الدينية والثقافية والمعرفية

توفر المعلومة بهذا الشكل العشوائي بدون مصادر وبدون حفظ حقوق وبدون اشراف ومساءلة سيكلفنا الكثير، وإندماج معلومات الباحثين والمتخصصين مع التجارب الشخصية والمحدودة بدون تنظيم سيكلفنا أكثر
إن بحثنا في الصور أو الفديو أو الويب نكتشف دائمًا
قد لايكون كل ماذكر في هذه المقالة منطقي أو مدعوم بأرقام، لكنها قراءة شخصية للوضع الحالي وبالتأكيد أسعد بمشاركتكم الأفكار والتجارب في صناعة المحتوى العربي

أمثلة لإجتهادات شبابية لإثراء المحتوى العربي
بودكاست فنجان –
حكمة للمقالات والمواضيع المترجمة –
بودكاست كلام –
انفوقرافيك عربي –

3 thoughts on “أزمة المحتوى العربي

  1. صباح الخير 🙂
    “برأيي أن مشكلة الصحف في العربية السعودية تحديدًا هي مشكلة المحتوى المقيد، بالتالي يظهر لدينا محتوى متكرر بصياغات مختلفة وفي سبيل الوصول للتميز والبحث عن أفضل الطرق لكتابته، تكون النتائج أحيانًا مأساوية” اوافقك الرأي.

    مع الأسف المحتوى العربي فقير جدًا بالمعلومات القيمة ونشر الثقافة العربية والهوية الاسلامية الصحيحة
    لكن يوجد بعض المواقع مثل:
    ساسة بوست
    هافينغتون بوست عربي لكن للأسف محجوب في السعودية
    مدونة و قناة الكاتب حسين يونس في اليوتيوب
    أراجيك
    منشور
    شكرًا جزيلًا .

    Liked by 1 person

  2. للأسف الهويه الإسلاميه والعربيه يبغالها إعادة نظر بكيفية النشر وسبله ووسائله بما يوافق الواقع المعاصر، وهذا ما أمله وأحاول القيام به
    ولو على الصعيد الشخصي، لأن الشخص مؤثر بمن حوله في النهايه.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s